شركات التداول الخوارزمي — صانعو السوق في الفوركس

آخر مراجعة: · مراجعة ربع سنوية
تحذير المخاطر · YMYL هذا المقال لأغراض تعليمية فحسب وليس نصيحة استثمارية. ينطوي التداول في سوق الفوركس على مخاطر عالية لخسارة رأس المال — تشير بيانات ESMA إلى أن 74–89% من حسابات التجزئة تخسر أموالها.

قبل عقد من الزمن، كانت أسعار EUR/USD تتشكّل شبه حصري بيد كبرى البنوك. أما اليوم، فجزء لا يُستهان به من عروض الأسعار في سوق العملات يصدر عن شركات لم يسمع بها المتداول العادي قط: XTX Markets وCitadel Securities وJump Trading وVirtu Financial. هذه ليست بنوكاً، بل صانعو سوق إلكترونيون متخصصون يتنافسون بالخوارزميات وسرعة الاستجابة لا بحجم الميزانية. في هذا المقال أشرح لك من هم، وكيف يعرضون الأسعار، وماذا يعني وجودهم لفارقك السعري (سبريد) وسيولتك وحساب تداولك.

من هم صانعو السوق غير البنكيين

لسنوات طويلة، كانت صناعة السوق في العملات حكراً على البنوك. فالاقتباس على الجانبين وتحمّل المخاطرة الذاتية يستلزمان ميزانية ضخمة جداً، لم تكن تتوفر إلا لدى المؤسسات الأضخم. وعلى مدى العقد الماضي، تصدّع هذا المشهد. ظهرت مجموعة من الشركات لا تُقرض المال ولا تحتفظ بودائع ولا تملك فروعاً — تتخصص في شيء واحد: عرض أسعار الشراء والبيع بلا انقطاع على عشرات الأدوات في وقت واحد، مكتسبةً ربحها من الفارق بينهما.

أبرز هذه الشركات XTX Markets — مؤسسة لندنية تحتل منذ سنوات مراتب متقدمة في التصنيفات العالمية لحصص حجم تداول العملات الأجنبية، متفوقةً بانتظام على معظم البنوك. إلى جانبها تعمل Citadel Securities وJump Trading وVirtu Financial — شركات نشأت في أسواق الأسهم والعقود الآجلة الأمريكية وحملت تقنياتها إلى سوق العملات. القاسم المشترك بينها أنها مزودو سيولة غير بنكيين (non-bank liquidity providers) وأن ميزتها التنافسية ليست رأس المال بل الهندسة التقنية.

بنك من الدرجة الأولى مقابل صانع سوق غير بنكي
بنك تجاري (مثل JPMorgan)يصنع السوق عبر ميزانيته وشبكة عملائه
صانع سوق غير بنكي (مثل XTX Markets)يصنع السوق عبر الخوارزميات وسرعة الاستجابة
ميزة البنك الرئيسيةرأس المال والعلاقات والوصول إلى تدفق الأوامر
ميزة صانع السوق الرئيسيةسرعة التسعير وإدارة المخاطر

ثمة نقطة جوهرية تستوجب التوضيح منذ البداية: هؤلاء الشركات لم تحل محل البنوك، بل انضمت إليها. الهيكل الهرمي الذي أتناوله عند الحديث عن المشاركين في السوق لا يزال قائماً — غير أن قمة الهرم باتت تضم، إلى جانب عشرات البنوك الكبرى، حفنة من اللاعبين الجدد الذين يمدّون بجزء وافر من السيولة في أكثر أزواج العملات سيولةً.

كيف يصنعون السوق بالخوارزميات والسرعة

تُختزل الآلية في جملة واحدة: تعرض الشركة سعر شراء وسعر بيع في آنٍ معاً، وتجني ربحها من الفارق السعري (سبريد) مضروباً في عدد هائل من الصفقات. الربح من صفقة واحدة لا يُذكر — جزء من النقطة (بيب) — لكنه حين يتكرر ملايين المرات يومياً يتحول إلى عائد حقيقي. وتكمن فطنة هذا العمل كله في تحديث ذلك السعر بسرعة ودقة تفوق المنافسين، مع تجنّب الوقوع في مركز مختل حين يتحرك السوق فجأةً.

من هنا نبع ركيزتا هذا النموذج. الأولى هي التوضع المشترك (co-location) — الإيداع الفعلي لخوادم الشركة في المركز الحاسوبي ذاته الذي يحتضن محرك مطابقة الأوامر. فكل متر من الكابل يساوي ميكروثوانٍ من التأخير، وفي هذه اللعبة تحدد الميكروثوانٍ من يتمكن من تحديث سعره أولاً. الركيزة الثانية هي الداخلنة (internalisation): بدلاً من إرسال الأمر على الفور إلى السوق الخارجي، تقوم الشركة بمطابقة أوامر عملائها المتعاكسة داخلياً. إذا كان أحد العملاء يشتري اليورو بينما يبيعه آخر في اللحظة ذاتها، يُغلق صانع السوق الصفقة داخلياً دون أن يغادر مرافق التنفيذ الخاصة به.

«أحدث نمو خوارزميات التنفيذ تحولاً جذرياً في طريقة توفير السيولة وسحبها من سوق العملات الأجنبية.» — لجنة الأسواق في BIS، خوارزميات تنفيذ الفوركس وعمل السوق، 2020.

المنافسة إذن ليست على ضخامة الميزانية، بل على جودة النموذج وقصر زمن الاستجابة. هذا منطق مختلف كلياً عن منطق البنك التقليدي — ولهذا بالضبط تستطيع شركة تضم بضع مئات من المهندسين وعلماء الفيزياء أن تنافس على الحصة السوقية مؤسسةً تشغّل مئات الآلاف من الموظفين.

ما الذي يتغير في الفارق السعري والسيولة

أبرز التأثيرات الملموسة يصبّ في مصلحة المتداول: في الأوضاع الطبيعية، باتت الفوارق السعرية (سبريد) في الأزواج السائلة أضيق مما كانت عليه حين كانت البنوك تنفرد بصناعة السوق. فكلما زاد عدد الجهات التي تعرض الأسعار، اشتدت المنافسة على كل أمر، وأفضت المنافسة الحادة عادةً إلى تضييق الهوة بين سعري الشراء والبيع. تدفع بذلك أقل ثمناً لمجرد الدخول إلى مركز والخروج منه.

بيد أن ثمة وجهاً آخر لهذه العملة لا يمكن إغفاله. تدير هذه الشركات مخاطرها بصورة ديناميكية — خوارزمياتها تحسب في كل لحظة حجم المركز الذي يمكنها الاحتفاظ به. حين يقفز التقلّب فجأةً، يأتي النموذج بما صُمّم له: يسحب عروض الأسعار أو يوسّع الفارق السعري بحدة للحدّ من المخاطرة. والنتيجة أن السيولة التي تبدو عميقة في يوم هادئ قد تشحّ في أسوأ الأوقات — في لحظة صدور بيان كلي بالغ الأثر أو في مواجهة صدمة مفاجئة.

حضور صانعي السوق غير البنكيين — جانبان
الأوضاع الطبيعيةفوارق سعرية أضيق في الأزواج السائلة، دخول وخروج أرخص
الجلسة الهادئةسيولة عميقة، أوامر صغيرة تُنفَّذ بانزلاق سعري شبه معدوم
طفرة التقلّبالخوارزميات تسحب عروضها، الفارق السعري يتسع بصورة مفاجئة
الخلاصةالسيولة أرخص، لكنها أقل موثوقية في أوقات الضغط

هذا ليس طعناً في هذه الشركات — إذ يتصرف بنك من الدرجة الأولى تصرفاً مماثلاً تحت ضغط السوق، لأن أحداً لا يريد الوقوف في الجانب الخطأ من انهيار مفاجئ. لكن هذه الآلية تستحق أن تُستحضر دائماً، لأنها تفسّر ما يعرفه كل متداول جرّب إصدار بيانات الرواتب خارج القطاع الزراعي (NFP) أو قرار بنك مركزي: الأداة ذاتها التي كلّفت جزءاً من نقطة صباحاً قد يتضاعف فارقها السعري عشرات المرات في اللحظة التي يصدر فيها الخبر.

ما معنى ذلك للمتداول الفردي

الرسالة الجوهرية هنا: من منظور حسابك الشخصي، حضور هذه الشركات يكاد يكون خفياً. أنت لا تتداول مباشرةً مع XTX Markets أو Citadel Securities — بل تتداول عبر الوسيط (بروكر)، وما إذا كان يستمد سيولته من صانعي السوق غير البنكيين ستراه بصورة غير مباشرة فحسب: في ضيق الفارق السعري وجودة التنفيذ الذي تلمسه، ولا سيما في ساعات الذروة. يمكنك التعمق في فهم هذا التمييز من خلال استعراض أنواع المفاهيم التقنية الأساسية للتداول.

من هنا تتولد نتيجة عملية: لا فرصة لك في منافسة هذه الشركات على أرضها — أجزاء الثانية والبنية التحتية التي تقدّر قيمتها بعشرات الملايين. المسافة ذاتها تفصل المتداول الفردي عن اللاعبين الكبار في سائر قطاعات السوق؛ تجد إضاءة موسّعة لهذا الموضوع عند مناقشة أساسيات سوق الفوركس. ميزتك الحقيقية تكمن في مكان آخر: في الأطر الزمنية الأعلى، وفي الصبر، وفي تحليل الأساسيات التي لا يستطيع أي خوارزمية كامنة أن تسعّرها نيابةً عنك. وتجدر الإشارة إلى أن صانعي السوق غير البنكيين لا يُقارنون بصناديق التحوط الساعية إلى الربح من تحركات الأسعار — الفارق في الأهداف والأسلوب تفصيله في قسم المشاركون في السوق.

إن أردت رسم صورة شاملة لكيفية تشابك أدوار المشاركين جميعاً، فاستعراض المشاركون في السوق على ForexMechanics يرسم سلسلة السيولة كاملةً — من البنوك إلى الصناديق وشركات التداول الخوارزمي.

ماذا تفعل الآن

  1. افحص نموذج تنفيذ وسيطك (بروكرك). ادخل إلى موقعه الرسمي وابحث عن معلومات حول مزودي السيولة لديه، وعمّا إذا كان يعمل بنموذج A-book حيث تُوجَّه الأوامر إلى السوق الخارجي، أو B-book حيث تُغلق الأوامر المتعاكسة داخلياً. هذه معلومة بالغة الأهمية عن المكان الذي تودع فيه أموالك، ويتجاهلها غالبية المتداولين المبتدئين دون أن يدركوا عواقب ذلك على تكاليف التنفيذ.
  2. قِس فارق EUR/USD السعري في لحظتين مختلفتين. سجّل قيمته مرةً في منتصف جلسة لندن الهادئة، ومرةً أخرى في اللحظة بالذات التي تصدر فيها بيانات كلية كبرى — بيانات سوق العمل الأمريكي مثلاً. ستلمس بأم عينيك كيف يمكن للسيولة التي يوفرها صانعو السوق أن تتراجع بحدة حين يرتفع مستوى المخاطرة، وكيف أن الفارق السعري ليس ثابتاً بل متغير تبعاً لظروف السوق.
  3. أوجد التوازن بين أسلوبك التداولي وميزتك الفعلية. بدلاً من الاستنزاف في التنافس على الثواني في مخطط الدقيقة الواحدة، ارفع مستوى تحليلك إلى الإطار الزمني الساعي أو أعلى، وابنِ قراراتك على الأساسيات وعلى بنية السوق. هذه هي الأرضية التي يكفّ فيها زمن استجابة الخوارزمية عن الحسم، وتبدأ فيها قدرتك التحليلية والتفكير المنهجي بالتفوق.
Jarosław Wasiński
نبذة عن المؤلف

Jarosław Wasiński

رئيس تحرير MyBank.pl · محلل مالي وأسواق

محلل مستقل وممارس متمرس يمتلك أكثر من 20 عاماً من الخبرة في القطاع المالي. مؤسس ورئيس تحرير بوابة MyBank.pl العاملة منذ عام 2004. يُجري التحليل الأساسي لأسواق العملات الأجنبية والأسواق الكلية منذ عام 2007.

المصادر والمراجع

  1. Euromoney Euromoney FX Survey — global FX market share rankings · pozycja niebankowych animatorów (XTX Markets) w czołówce udziału w obrocie walutowym www.euromoney.com ↗
  2. Bank for International Settlements FX execution algorithms and market functioning (Markets Committee report) · rola algorytmów wykonania w dostarczaniu i pobieraniu płynności na rynku walutowym www.bis.org ↗
  3. Bank for International Settlements Triennial Central Bank Survey 2022 (rpfx22) — OTC FX turnover · skala i struktura globalnego obrotu walutowego oraz rola animatorów elektronicznych www.bis.org ↗

الأسئلة الشائعة

ما هم صانعو السوق غير البنكيين في الفوركس؟

هي شركات متخصصة توفر السيولة في سوق العملات لكنها ليست بنوكاً — لا تُقرض المال ولا تحتفظ بودائع ولا تمتلك فروعاً. تتخصص في شيء واحد: عرض أسعار الشراء والبيع بصورة متواصلة على عشرات الأدوات في آنٍ واحد، مكتسبةً ربحها من الفارق بينهما مضروباً في عدد هائل من الصفقات. أبرزها XTX Markets، شركة لندنية تتصدر بانتظام التصنيفات العالمية لحصص حجم تداول الفوركس. إلى جانبها تعمل Citadel Securities وJump Trading وVirtu Financial. قاسمها المشترك أن ميزتها ليست رأس المال بل التقنية — سرعة التسعير والدقة في إدارة المخاطر.

كيف تعرض هذه الشركات الأسعار وتنافس البنوك؟

تتنافس لا بالميزانية بل بالهندسة التقنية. يرتكز العمل على ركيزتين. الأولى التوضع المشترك (co-location) — وضع خوادم الشركة في المركز الحاسوبي ذاته الذي يحتضن محرك مطابقة الأوامر، لتقليص زمن الاستجابة إلى الميكروثوانٍ وتحديث عروض الأسعار أسرع من المنافسين. الثانية الداخلنة (internalisation): بدلاً من إرسال الأمر فوراً إلى السوق، تطابق الشركة أوامر عملائها المتعاكسة داخلياً — حين يشتري أحدهم اليورو بينما يبيعه آخر في اللحظة ذاتها، يُغلق صانع السوق الصفقة داخلياً. الربح من صفقة واحدة لا يُذكر، جزء من نقطة (بيب)، لكنه حين يتكرر ملايين المرات يومياً يتحول إلى عائد حقيقي. ولهذا تستطيع شركة تضم بضع مئات من المهندسين أن تنافس بنكاً يشغّل مئات الآلاف.

هل وجودهم مفيد للفوارق السعرية والسيولة؟

في الأوضاع الطبيعية، نعم — كلما زاد عدد الجهات التي تعرض أسعاراً اشتدت المنافسة على كل أمر، وهذا يضيّق الفوارق السعرية في الأزواج السائلة. تدفع أقل مقابل الدخول والخروج من المراكز مقارنةً بالحقبة التي كانت تنفرد فيها البنوك بصناعة السوق. بيد أن لهذه العملة وجهاً آخر. تدير هذه الشركات مخاطرها ديناميكياً — خوارزمياتها تحسب في كل لحظة حجم المركز الذي يمكنها تحمّله. حين يقفز التقلّب، يأتي النموذج بما صُمّم له: يسحب عروض الأسعار أو يوسّع الفارق بحدة للحدّ من المخاطرة. والنتيجة أن السيولة التي تبدو عميقة في يوم هادئ قد تشحّ في أسوأ الأوقات — لحظة صدور بيان كلي بالغ الأثر أو صدمة مفاجئة. هذا ليس نقداً لهذه الشركات، إذ يتصرف البنك تصرفاً مماثلاً، لكنه آلية تستحق الاستحضار الدائم.

ماذا يعني وجود هذه الشركات للمتداول الفردي؟

في الواقع العملي، تكاد تكون آثار هذه الشركات غير ملموسة بصورة مباشرة، لأنك لا تتداول معها شخصياً — بل تتداول عبر الوسيط (بروكر). وما إذا كان يستمد سيولته من صانعي السوق غير البنكيين ستلمسه بصورة غير مباشرة فحسب: في ضيق الفارق السعري وجودة التنفيذ الذي تحصل عليه، ولا سيما في ساعات الذروة. من هنا تتولد نتيجة عملية: لا فرصة لك في منافسة هذه الشركات على أرضها، أجزاء الثانية والبنية التحتية التي تُقدَّر قيمتها بعشرات الملايين. ميزتك الحقيقية تكمن في مكان آخر — في الأطر الزمنية الأعلى، وفي الصبر، وفي تحليل الأساسيات التي لا تستطيع أي خوارزمية كامنة أن تسعّرها نيابةً عنك. بدلاً من الاستنزاف في الثواني على مخطط الدقيقة، ابنِ قراراتك على بنية السوق وعلى ما تستطيع التفكير فيه.

تعمق أكثر · الدليل الشامل